ابن خلدون

321

رحلة ابن خلدون

ثم فرغ السّلطان من اختطاط مدرسته « 1459 » بين القصرين ، وجعل فيها مدافن أهله ، وعيّن لي فيها تدريس المالكية ، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التّدريس على عادتهم في ذلك ونصّها : الحمد لله الذي منّ على عباده ، بنعمة خلقه وإيجاده ، وصرّفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده ، وعرّفهم أسرار توحيده ، في مظاهر وجوده ، وآثار لطفه في وقائع عباده ، وعرضهم على أمانة التّكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده ، « 1460 » ويسّر كلا لما خلق له ، من هدايته أو إضلاله ، وغيّه أو رشاده ، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين « 1461 » لصلاحه أو فساده ، وعلّمه ما لم يكن يعلم ، من مدارك سمعه وبصره والبيان عمّا في فؤاده ، وجعل منهم أنبياء وملوكا يجاهدون في الله حقّ جهاده ، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده ، ورفع البيوت المقدّسة بسبحات « 1462 » الذكر وأوراده . والصّلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد سيّد البشر من نسل آدم وأولاده ، لا . بل سيّد الثّقلين « 1463 » في العالم من إنسه وجنّه وأرواحه وأجساده ، لا . بل سيّد الملائكة والنّبيئين ، الذي ختم الله كمالهم بكماله وآمادهم بآماده ، الذي شرّف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولادة ، وفصّل له الذكر الحكيم تفصيلا ، كذلك ليثبت من فؤاده « 1464 » وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين ، ليكون من

--> ( 1459 ) هي المدرسة الظاهرية ، وتسمى البرقوقية أيضا . عهد في بنائها إلى الأمير جهركس الخليلي ، فشرع في بنائها سنة 886 ، وأنهاها سنة 888 . وانظر حسن المحاضرة 2 / 163 طبع الموسوعات بمصر سنة 1321 ه . ( 1460 ) ينظر إلى الآية 72 من سورة الأحزاب : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ ، وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ . ( 1461 ) النجدان : طريق الخير ، وطريق الشر . ( 1462 ) السبحات جمع سبحة ؛ وهي التطوع في الذكر ، والصلاة . ( 1463 ) الثقلان : الجن والإنس . ( 1464 ) يشير إلى الآية 32 من سورة الفرقان : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ .